القاضي عبد الجبار الهمذاني
115
شرح الأصول الخمسة
لا نشاهده عز وجل ، فاحتجنا إلى إقامة الدليل عليه . وتحرير الدلالة على ذلك ، أنه عالم قادر ، والعالم القادر لا يكون إلا موجودا . وهذه الدلالة مبنية على أصلين ، أحدهما ، أنه تعالى عالم قادر وقد تقدمه ، والثاني ، أن العالم القادر لا يكون إلا موجودا فلا يمكن رده إلى الشاهد ، لأنا لو قلنا : إن الواحد منا إذا كان عالما قادرا لا بد من أن يكون موجودا فكذلك القديم تعالى ، كان لقائل أن يقول : إن الواحد منا إنما يجب أن يكون موجودا لأنه عالم بعلم ، وقادر بقدرة ، والعلم والقدرة يحتاجان إلى محل مبنى مبنية مخصوصة ، والمحل المبني على هذا الوجه لا بد من أن يكون موجودا ، وليس كذلك القديم تعالى لأنه عالم لذاته ، وقادر لذاته ، فلا يجب وجوده وإن كان عالما قادرا . فالأولى أن نسلك طريقة على غير هذه الطريقة فنقول : إن القادر له تعلق بالمقدور ، والعالم له تعلق بالمعلوم ، والعدم يحيل التعليق ، فلو كان القديم تعالى معدوما لم يصح كونه قادرا ولا عالما ، والمعلوم خلافه . فإن قيل : وما المراد بقولكم إن القادر له تعلق بالمقدور ، والعالم له تعلق بالمعلوم ؟ قلنا : المراد بذلك ، أن القادر يصح منه إيجاد ما قدر عليه إن لم يكن منع ، والعالم يصح منه إيجاد ما قدر عليه على وجه الإحكام والاتساق إذا لم يكن هناك ثمة منع . فإن قيل : ولم قلتم : إن العدم يحيل التعلق ؟ قلنا : لأنا قد علمنا أن الإرادة إذا وجدت تعلقت ، وإذا عدمت زال تعلقها . وإنما زال تعلقها لعدمها ، فكل ما شاركها في العدم وجب أن يشاركها في زوال التعلق . فإن قيل : ولم قلتم إن الإرادة متى عدمت زال تعلقها ، ثم لم قلتم إن زوال تعلقها لعدمها ؟ قلنا : أما الذي يدل على أن الإرادة متى عدمت زال تعلقها ، هو أنه لو لم يزل لكان لا يخلو ، إما أن تكون متعلقة بنفس ما كانت متعلقة به ، أو متعلقة بغير ما كانت متعلقة به ، لا يجوز أن تكون متعلقة به ، لأنه ما من مراد إلا ويجوز أن ينقضي ويمضي ، والإرادة مما لا يجوز تعلقها بالماضي والمنقضي ، ولا يجوز أن تكون متعلقة بغير ما كانت متعلقه به لأن في ذلك انقلابها عما هي عليه في ذاتها واتصافها بصفة تخالفها وهذا لا يجوز . وأما الذي يدل على أن زوال تعلقها لعدمها ، فهو أنه لا يخلو ، إما أن يكون